الرئيـس ترامــب يخـــوض حربــا تكنولوجيــة شرســـة ضــــد الصيــــن

نشر بتاريخ

استهلت جريدة ” لوموند ” تقريرها الذي نشرته بتاريخ 22 من الشهر الجاري بخصوص الحرب التكنولوجية الباردة التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية ضد الصين بالقول أن شركة “هواوي ” المستهدفة بالعقوبات الأمريكية ، ليست فقط رهينة نزاع تجاري . ذلك أن الأمريكيون يرفضون أن يتبوأ الصينيون ، أعدائهم الاستراتيجيين ، نفس مكانتهم.

فهذه الكلمات الصريحة تعبر بدقة متناهية عن حقيقة و أبعاد النزاع التجاري القائم بين العملاقين ،

و يكشف أن السبب الحقيقي وراء كل الذرائع المتشبث بها من طرف الإدارة الأمريكية يكمن في إصرارها على الاحتفاظ بهيمنتها التي تكاد أن تكون شاملة و مطلقة ، في هذا العالم العليل .

إن المتتبع لتطورات الصراع التجاري الأمريكي الصيني كان يعتقد إلى حد قريب ، أي منذ شهور معدودة ، أن أبعاده تنحصر في رغبة الرئيس ترامب في كسر أجنحة الصين وإجبارها على فتح أسواقها لجذب المزيد من السلع الأمريكية .

لكن تطورات الأحداث الأخيرة أثبتت أن الهدف الحقيقي ليس هو شركة ” هواوي ” المعتبرة الرقم 2 عالميا في ميدان الاتصالات بعد ” سامسونغ “و التي تعد برهانا ساطعا على مدى تقدم الصين الباهر

ومكانتها العملية المرموقة ، بل هو الاطاحة بنظام العولمة ، مع ما سيترتب عن ذلك من اضطرابات خطيرة لأوضاع التجارة العالمية ، والحفاظ على الهيمنة الأمريكية على العالم ، فأفصحت الإدارة الأمريكية بجلاء عن رسالة الى العالم مفادها أن شبكة الأنترنيت و تطبيقاتها المتطورة هي مظهر للتفوق و السيطرة الأمريكية اللصيقة بها وحدها.

ففي العاشر من هذا الشهر أصدر الرئيس الأمريكي قرارا تنفيذيا آذن بمقتضاه لوزارة التجارة الأمريكية ” سلطة منع صفقات معينة ذات محتوى تكنولوجي في قطاع المعلومات و الاتصالات جرى تطويرها أو تصميمها أو تصنيفها من جانب شركات خاضعة لاختصاص سلطة قضائية لدولة معادية” .

و مباشرة إثر صدور القرار تم وضع شركة ” هواوي ” و 68 شركة تابعة لها في لائحة تضم عددا من المقاولات الخاصة بقصد منع و تعطيل أي عمليات تصدير معدات و أجهزة إليها في غياب ترخيص من الإدارة الأمريكية لن يتم منحه إطلاقا بدعوى أن برنامج شركة ” هواوي ” الرامي إلى انتاج الجيل الخامس من تقنيات الانترنيت التي ستحقق تورة تكنولوجية غير مسبوقة نظرا لما ستحدثه من انقلاب في مجالات متعددة و ستضيف 14 ألف مليار دولار الى الاقتصاد العالمي يهدد الأمن القومي الأمريكي لكون الشركة ذات علاقة وطيدة بأجهزة الاستعلامات الصينية ، وستكون أداة للحكومة الصينية لجميع الاستعمالات ، بما في ذلك الجاسوسية والسطو على الملكية الأدبية .

و تنفيذا لهذا القرار الرآسي منعت “غوغل ” شركة ” هواوي ” من الحصول على بعض منتجاتها

و خدماتها ( أندرويد و تطبيقاته ـ يوتوب ـ جمايل ـ مابس ) وهو نفس الموقف الذي اتخذته شركات أمريكية عملاقة أخرى ( إنطل ـ كسلنكس ) فتلقت الشركة الصينية عبر ذلك ضربة قاسية .

يبدو أن الإدارة الأمريكية أدركت الصعوبات الجمة التي ستترتب عن التنفيذ الفوري لقرار الرئيس ترامب سالف الذكر سيما على مستوى العقود الجارية بين هواوي و عدد من الشركات الأمريكية، لذلك اضطرت الحكومة الأمريكية الى تخفيف بعض القيود موضوع هذا القرار الصادرة في الموضوع، ومنحت للشركة الصينية إذنا لمدة 90 يوما لشراء منتجات أمريكية ، مع إمكانية تمديد الاذن ، غير أن هذا الترخيص المؤقت لن يرفع المنع عن الشركة المذكورة لشراء مكونات أمريكية قصد تصنيع منتجات جديدة دون الحصول على اذن مستحيل .

أمام هذا الهجوم الصاعق ، وفي محاولة للإلتفاف على آثاره ، ادعى مؤسس شركة ” هواوي ” في تصريح للعموم ” أن القرار المذكور لن يحدث خرقا كبيرا للشركة الصينية لوجود خطط طوارئ ” و أن ” القيود التجارية لن تؤثر على مشاريع الجيل الخامس ” .

ليس من المستبعد فعلا أن تتوفر شركة “هواوي” على خطط طوارئ بديلة تكون قد رسمتها لمجابهة التوقعات المحتملة في مجال المنافسة التجارية الشرسة مع نظيراتها في حالة منع الحصول على تطبيقات “غوغل” وهو ما أفصح عنه مدير الشركة بالقول أن شركته أنتجت نظام بديل منذ سنة 2012 يسمى “هونغمغ “.

غير أن الأمور ليست بهذه السهولة ، إذ أنه من الصعوبة بمكان اقناع الجمهور الأجنبي الواسع بفعالية التطبيقات الصينية البديلة لتلك المنتجة من ” غوغل ” المعروفة بجودتها العالية.

لعله يبدو أن تصريحات المسؤول الصيني المذكور لا تتسم بالواقعية، و لربما يطغى عليها تفاؤل مفرط . فقد أوضحت جريدة لوموند في عددها سالف الذكر أن الصينيين ظهروا منذ سنة أكثر خضوعا للأمريكيين بخلاف كل التوقعات بحكم تخلفهم في صناعة الدقائق Micro Processus لدرجة أنه خلال خريف السنة المنصرمة اضطرت شركة ZTE ( الشركة الصينية الثانية في ميدان الاتصالات ) الى وضع مفتاحها تحت أبوابها بمعنى افلاسها مدة ثلاثة أشهر نتيجة منع تصدير دقائق الكمبيوتر من طرف الإدارة الأمريكية إليها لخرقها عقوبات الحظر المتخذة من الإدارة الأمريكية ضد ايران و كوريا الشمالية، طالما أنها المتحكمة في السوق العالمي .

و مثلما سلف ذكره أعلاه ، فإن الإدارة الأمريكية ترفض بتاتا أن يتبوأ خصومها الاستراتيجيين في القرن الحالي أي الصينيين نفس مكانة الأمريكيين لذلك تم منعهم من ولوج التكنولوجية الدقيقة المستعملة في انتاج نظام التشغيل الخاص بقلب ” أندرويد ” الذي لا يوجد حاليا أي نظام يضاهيه ،و باقي المنتجات التكنولوجية العالية المستوى .

و كرد فعل على هذا الهجوم الشرس فإن الصين هددت من جهتها بمنع تصدير العناصر النادرة التي تساهم في صنع دقائق الكترونية ، و وقف استيراد أجهزة آبل ستتأثر بحوالي 30% ، و اتخاذ عقوبات قاسية مختلفة .

و إذا كانت النتائج من صنف المقدمات ، فإنه يبدو من شبه المؤكد في ظل هذه الظروف القائمة توقع مواجهة شركة ” هواوي ” لمصاعب كبرى خلال السنوات القادمة من شأنها أن تؤثر على حجم مبيعاتها ، يؤدي الى انكماشها لاحقا ، و توقف نمو تصدير منتجاتها خارج الصين ، مما سيكبدها خسائر فادحة باعتبار أن مصدر نصف مداخيلها السنوية تأتي من الخارج ، و أزيد من نصفها تجد مصدرها في السوق الأوروبية ، و بالتالي سيكون الرابح الأكبر من هذه الحرب التكنولوجية هي شركة ” سمسونغ ” الشركة الأولى في العالم التي كانت الشركة الصينية ” هواوي ” تطمح إلى تخطيها و التموقع بدلا عنها في مكانها. و الأخطر من هذا كله أن قرار الإدارة الأمريكية المذكور أعلاه سيأخر اطلاق عملية شبكات الجيل الخامس التي كانت تعول عليها شركة ” هواوي ” ومن خلالها الصين لتحظى القوة الاقتصادية الأولى عالميا .

لكن فداحة الخسائر المتوقعة ستطال أيضا شركات أمريكية كانت تستورد و إلى أجل قريب منها الشركة الصينية ما قيمته 67 مليار دولار سنويا.

و يحذر الخبراء الاقتصاديون من مفاعيل هذا التغول الامريكي الذي سيؤدي لا محالة الى تحقيق منتجات دول أخرى منافسة للمنتجات الامريكية ميزة نسبية إذا اعتمدت الدول المنافسة على شراء أجزاء من منتجاتها بينما يتراجع الاقبال على منتجات امريكية . و كمثال على ذلك توقف منشآت شركة ” جزال موتور ” عن العمل ، و كذلك محطات إسالة الغاز الطبيعي الذي توقفت الصين عن شرائه و اختيارها الغاز الروسي .

و فضلا عن هذا ، فإن عددا من الشركات الأمريكية تعتمد في تعاملاتها بشكل يكاد كلي على الزبون الصيني ، كما هو الحال بالنسبة لشركة ” نيوفوتونكس ” التي تصدر معدات دقيقة لبت الاشارات في شبكات الإرسال ، الأمر الذي سيعرضها لمخاطر الافلاس في حالة تطبيق حرفي للقرار الجديد للرئيس ترامب.

لا ريب أن الهدف الرئيسي من إعلان الرئيس الأمريكي هذه الحرب التكنولوجية الطاحنة ، ضد شركة صينية هو كبح جماح المخطط الصيني الطموح المقرر الشروع فيه سنة 2025 الذي من المتوقع أن يضع الصين في مقدمة الاقتصاد العالمي ، و من معالمه الاعتماد على تكنولوجيا صينية صافية و متقدمة على مثيلاتها الأمريكية و الأوروبية ، و منها هاتف ” هواوي ” المنتمي للجيل الخامس ، و من ثم فإن الحرب الحالية هي حرب استباقية لمنع الصين من تغيير موازين القوى الاقتصادية السائدة في اعتماد منها على الذات و على تراكماتها المالية الهائلة و خبراتها العالية ، و محاولة لواد مشروعها العملاق الحزام و الطريق الذي من شأن تحقيقه فتح طرق برية و بحرية جديدة ، و بالتالي الابقاء على الوضع الحالي الذي تتحكم فيه الولايات المتحدة بمنطق القوة العاتية.

و يبدو جليا من خلال هذه التدابير الأمريكية الجديدة الموجهة ضد شركة ” هواوي ” أنها تتضمن إعلانا صريحا لنهاية الرأسمالية المعولمة كما جاء في تصريح للرئيس الأمريكي ، في الوقت الذي تتمسك فيه الصين بقوانين التجارة و التبادل الحر ، بخلاف أمريكا التي تفرض تدابير حمائية ، متذرعة بدواعي أمنية بدعوى أن الشركة الصينية المذكورة تحظى بدعم خفي من الجيش و المخابرات الصينية في الوقت الذي فندت فيه الأخيرة هذه الراوية ، و أعربت عن استعدادها لعرض منتجاتها من الجيل الخامس على فحص تقني لإثبات عدم صحة هذا الإدعاء.

و قصارى القول ، إن جل دوافع الحرب التكنولوجية تكمن في أن التقدم الصيني و طموح الصين لتبوأ صدارة الاقتصاد العالمي سنة 2025 يعد في نظر ترامب و الجمهوريون و الديموقراطيون تهديدا خطيرا للمصالح الامريكية ، و كشفت هذه الحرب بشكل علني حدة الصراع القائم بين العملاقين الأمريكي و الصيني كما كشفت على وجه الخصوص عدم واقعية افتراضات الإدارة الأمريكية في تعاملها و سياستها مع الصين ، التي كانت تقوم على مراهنة تغيير النظام الصيني بعد تحرير الاقتصاد وتحقيق الإزدهار على النمط الرأسمالي مع ما كان يتوقعه مخططو الاستراتيجية الامريكية في مواجهة الصين من افراز تداعيات على مستوى تفكيك القطاع العام ـ في الأساس ـ وتخلي الدولة عن تسيير الاقتصاد لفائدة برجوازية وليدة ، وتحقيق اندماج حقيقي للصين في المنظومة المالية والاقتصادية العالمية ، و مراهنة أخرى ، قائمة على افتراض أن الصين سينكمش نموها في وقت لاحق و قريب ، ما دام أنها انطلقت من أوضاع متخلفة و تعاني من انتشار الفقر ، مما كان من شأنه ، في تصور هؤلاء المخططين ، أن يؤدي إلى ضمور تنافسية الصين الوليدة التي لن تستطيع بحكم ذلك ولوج مجال التقنيات العالية ، فضلا على أن الانفتاح الصيني سيكون لقمة سائغة و مربحة للغرب و شركاته لاستهلاك منتجاته لضخامة السوق الصينية لا لتتحول الصين إلى دولة منتجة لأحدث صناعات التكنولوجيا و منافسة قوية للغرب.

من المؤكد أن الحرب بين العملاقين الأمريكي و الصيني ليست معركة تكنولوجية صرفة بل هي معركة على سيادة العالم ، كما عبرت عنه مؤخرا صحيفة ” الغار ديان ” فمن سيخرج منتصرا ؟.

عبد اللطيف مشبال
← الرجوع إلى جميع المقالات