موقع عبد اللطيف مشبال

موقع على الانترنت أشارك فيه بعض مقالاتي

بخصوص قرار المحكمة الدستورية حول شروط واجراءات الدفع بعدم دستورية قانون

نشر بتاريخ

بخصوص قرار المحكمة الدستورية الصادر بتاريخ 6/3/2018 المتعلق بالقانون التنظيمي رقم 86.15(حول شروط واجراءات الدفع بعدم دستورية قانون.)

بالنظر لحمولة هذا القرار التأسيسي اللصيق بتكريس قضاء مستقل يطبق نصا قانونيا خالي من كل شائبة ، وما له من انعكاس مباشر علي ممارسة المتقاضي لحقوقه وحرياته، وما أرساه من مبادئ كبري ترسخ وجوب احترام القانون لاحكام الدستور، من شانها تمكين المتقاضي من تحقيق تلك الغايات ، وكذا بالنظر للاختصاص الخطير والمطلق الذي تتولاه المحكمة الدستورية في نطاق مقتضي الفصل 133 من الدستور الذي أجاز لأول مرة استعمال المتقاضي حقه في الطعن بعدم دستورية قانون ،صدر القانون الموما اليه،الذي أعلنت المحكمة المذكورة مخالفته في العديد من مقتضياته للدستور،ارتأيت تقديم هذه الملاحظات علي ضوء القرار الدستوري المذكور الذي سبق للاستاذ الهيني المحترم ان نوه بما انتهي اليه، عن صواب، نظرا لما أرساه من قواعد ، وتثبيت لقيم الحق .

وبقراءة أولية لقرار المحكمة الدستورية ، يمكن اثارة عدد من الملاحظات الأولية، التي يجدر تفصيلها لاحقا ، في دراسة معمقة،نظرا لاهميتها القصوي ، وراهنيتها ، في أفق إشباع حاجيات المواطن المشروعة في الحصول علي حكم عادل،في زمن معقول. اولا : حول طلب الحكومة الرامي الي تصحيح اخطاء مادية.

يبدو ان السيد رئيس الحكومة تقدم ،من خلال رسالته المودعة لدي السيدالامين العام للحكومة، انه طلب من المحكمة الدستورية “تصحيح اخطاء مادية”شابت بعض مواد القانون التنظيمي المذكور ،وردت الطلب لكونه لا يندرج ضمن الملاحظات التي تكون محل نظر المحكمة الدستورية؛ فلا تثريب بهذا الشأن، متي كان الاختصاص غير منعقد للمحكمة المذكورة ،باقتباس ملاحظة ذ الهيني.مع الإشارة ان العمل جري احيانا علي تصحيح تلك الأخطاء المادية بإعادة نشر النص اللاحق به الخطا بعد تصحيحه. ويدفعني هذا الامر الي التساؤل بخصوص مدي اختصاص القضاء الدستوري في تفسير نص قانوني في معرض النظر في دعوي الدفع بعدم دستوريته.

أولا : حول تخويل النيابة العامة صفة الطرف.

عابت المحكمة الدستورية علي القانون رقم86.15عدم تخويله النيابة العامة صفة الطرف، الي جانب أطراف اخري، لتقديم دعوي عدم دستورية القانون، في حال تقديرها او شكها من ان مقتضياته الواجبة التطبيق تعتريها شبهة عدم الدستورية، فخالفت بذلك الفقرة الأولي من الفصل 133 من الدستور التي جعلت الدفع بعدم الدستورية مكسبا للاطراف بصيغة العموم، وهو ما يدفعني للاعتقاد ان هذا الحق يمتد ليشمل حتي المتعرض الغير الخارج عن الخصومة، الذي ولئن لم يكن طرفا في الخصومة، فانه يعد هكذا باعتباره طرف او خصم لاحق.

ثانيا: حول المادتين الثالثة (الفقرة الاخيرة) والعاشرة(الفقرة الاخيرة)

ابقت المحكمة الدستورية علي ما جاء في القانون التنظيمي المذكور بخصوص منع قضاة الاحكام اثارة تلقائية للدفع بعدم دستورية نص قانوني، وفسرت الفقرتين الموما إليهما علي ضوء مكونات المحكمةبالرغم من انتمائهماالي الجسم القضائي نفسه، اي قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة،لتنتهي الي القول ان تلك التلقائية قاصرة علي قضاة الاحكام دون قضاة النيابة العامة. وإذا كان هذا المنحي قد يتعارض مع وظيفة القاضي الذي يقع عليه واجب الامتناع عن تطبيق القانون المخالف للدستور، غير انه يعتبر وجيها بالنظر لاحكام الفصل25 من ق م م الذي يمنع علي المحكمة ان تبت في دستورية القوانين، مثلما هو علي الامر بالنسبة للفصل 50 من القانو ن المحدث للمحاكم الإدارية.

ويستفاد من من هذا المنحي ان ألَّبت في دستورية القانون لا علاقة له بالنظام العام.

ثالثا: حول الموادالثالثة (الفقرة الأولي)و 14 و15.

أكدت المحكمة الدستورية بهذا الصدد علي مبدء عدم شمول الطعن بعدم دستورية القوانين لقانو ن سبق لها التصريح بدستوريته، مكرسة بذلك مدلول قرينة دستوريتهاالمعمول بها في الفقه والقضاء الدستوريين، فتناي عن الدفع بعدم الدستورية دون ان تشمل القاعدة القوانين العادية المعدلة لقوانين عادية سبق ان خضعت للرقابة الدستورية.

ولاحظت المحكمة الدستورية بهذا الصددان القانون التنظيمي لم يتضمن ما يفيد تطبيق القواعد والاحكام الواردة فيهما، علي الدفع بعدم الدستورية المثاربمناسبة المنازعة الخاصة بشأن انتخاب أعضاء البرلمان؛ بقي ان أشير بهذا الخصوص ان المحكمة الدستورية أوضحت ان الدفع بعدم الدستورية ينحصر علي المنازعات المطروحة امام محاكم التنظيم القضائي ، فلايشمل المحاكم التحكيمية ، علي سبيل المثال.

رابعا: حول المادة الخامسة

نحت المحكمة الدستورية الي القول ان الدفع بعدم دستورية قانون يتبع الدعوي الأصلية بشأن موضوعها من اجبار تقديمها بواسطة محام،عندما يلزم القانون ذلك.

وهكذا أزاحت ما كان يتضمنه القانو ن التنظيمي من امكانية تقديم دعوي الدفع المذكور مباشرة من الأطراف دون محام.

خامسا :حول المواد السادسة والعاشرة و11

اعتبر القرارالدستوري محل هذا التعليق ا المواد السادسة والعاشرة و11والخامسة( فيمانصت عليه من شروط متصلة بمراقبة الدستورية) والسابعة(الفقرة 2) و 12 المرتبطة بها، غير مطابقة للدستور. هذا الجزء من القرار،في تقديري، اعتمد علي اهم التعليلات التي بررت بها المحكمة علي نحو مقبول ومتناسق منحاها المذكور،اذ أكد ت فيها ،علي وجه الخصوص، ا”ان اختصاص النظر في كل دفع بعدم الدستورية موكول الي المحكمة الدستورية،هو اختصاص عام، يشمل النظر في الدفوع المحالة عليها شكلا وموضوعًا ، وليس في الدستور ما يشرع لتجزيئه،ويندرج في ولايتها الشاملة، ولا ايضا ما يبرر نقله لغير الجهة المحددة له دستوريا”

وهكذا رفضت المحكمة الدستورية مجاراة منحي القانون التنظيمي الذي كان قد جعل من قاض النقض المحالةعليه دعوي الدفع بعدم دستورية قانون، قاضيا دستورياابتدائيا !

وهذا التوجه الهام اكدته ايضا المحكمة الدستورية، بقوة ، بقولها: “وحيث ان تقدير الجدية الموكول للهيئة المحدثة بمحكمة النقض،يحول الهيئة المذكورة ال ي مراقب سلبي للدستورية، بالنظر لصعوبة تحديد العناصر المشكلة للجدية،وارتباط تقديرها بالموضوع، وليس بالشكل”

سادسا:

حول المواد السابعة (فقرة أولي ) والثامنة و13 لعل من ادق الاشكالات التي تترتب عن صدور حكم من المحكمة الدستورية يستجيب للدفع بعدم دستورية نص قانوني ، هو الأثر الذي يجب إعماله كنتيجة له، وهو ما لم يفت انتباه المحكمة الدستورية بطبيعة الحال،وهو مايتجلي من خلال ما عابته علي القانون التظيمي لعدم سنه احكاما تخول المتقاضين تقديم دعوي جديدة تسمح بترتيب آثار قرارها في حالة مواصلة المحكمة نظره في الدعوي الأصلية وصدور قراربعدم دستورية القانون،فأوضحت بدقة انه” يترتب عن عدم التنصيص علي الاحكام المشار اليها، عدم التقيد بإلزامية حجية قرارات المحكمة الدستورية، ومس بحق الأطراف المعنية في الاستفادة من الأثر المترتب عن تلك القرارات، مما يتعين معه التصريح، من هذا الوجه،بعدم دستورية المادتين 8 و 13؛”

وهذه المسالة البالغة الأهمية لها علاقة بالاشكالية الجوهرية التي كانت ولا تزال مثار خلاف. عميق بين فقهاء القانون الدستوري والمتعلقة بطبيعة الأثر المباشرللحكم بعدم دستورية قانون معين،، هل هو اثر مباشر او. منشئ، ام له اثر رجعي او كاشف،،؟ وغني عن البيان ان السلطة التشريعية مدعوة الي تحديد موقفها بدقةمن هذه المسالة الجوهرية نظرا لما لها من انعكاسات جد ملموسة علي خاتمة مسيرة مضنية ومكلفةومنتجة للمتقاضي . ختاما سيتبين، ولا شك،من خلال الاطلاع علي قرار المحكمة الدستورية ان السلطة التشريعية لم تتوفق في صياغة مقتضيات القانون التنظيم عدد 86.15، فلم تتمكن من الاحاطة بجوانبه بالدقة المتوخاة ، مع وجوب الاعتراف بصعوبة هذا العمل التأسيسي في مجال تكريس دولة الحق.

← الرجوع إلى جميع المقالات